تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
375
محاضرات في أصول الفقه
وأما الدعوى الثانية - وهي : عدم كون المقام داخلا في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار - فقد استدل عليها بوجوه : الأول : أن ما يكون داخلا في كبرى هذه القاعدة لابد أن يكون مما قد عرضه الامتناع باختيار المكلف وإرادته : كالحج يوم عرفة لمن ترك مقدمته باختياره وقدرته ، وكحفظ النفس المحترمة لمن ألقى نفسه من شاهق ، ونحوهما من الأفعال الاختيارية التي تعرض عليها الامتناع بالاختيار . ومن الواضح جدا أن الخروج من الدار المغصوبة ليس كذلك ، فإنه باق على ما هو عليه من كونه مقدورا للمكلف فعلا وتركا بعد دخوله فيها ، ولم يعرض عليه الامتناع كما هو واضح . نعم ، مطلق الكون في الأرض المغصوبة الجامع بين الخروج والبقاء بأقل مقدار يمكن فيه الخروج وإن كان مما لابد منه ولا يتمكن المكلف من تركه بعد دخوله فيها . إلا أن ذلك أجنبي عن الاضطرار إلى خصوص الغصب بالخروج كما هو محل الكلام ، ضرورة أن الاضطرار إلى جامع لا يستلزم الاضطرار إلى كل واحد من أفراده . مثلا : لو اضطر المكلف إلى التصرف في ماء جامع بين ماء مباح وماء مغصوب فهو لا يوجب جواز التصرف في المغصوب ، لفرض أنه لا يكون مضطرا إلى التصرف فيه خاصة ليكون رافعا لحرمته ، بل هو باق عليها ، لعدم الموجب لسقوطها ، فإن الموجب له إنما هو تعلق الاضطرار به ، والمفروض أنه غير متعلق به ، وإنما تعلق بالجامع بينه وبين غيره ، فإذا لا يجوز التصرف فيه . نعم ، يتعين عليه - عندئذ - التصرف في خصوص الماء المباح ورفع الاضطرار به ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإن الاضطرار إلى مطلق الكون في الأرض المغصوبة الجامع بين الخروج والبقاء لا يوجب الاضطرار إلى خصوص الخروج ، بل الخروج باق على ما هو عليه من كونه مقدورا من دون أن يعرض عليه ما يوجب امتناعه .